مجموعة مؤلفين
191
النور الأبهر في الدفاع عن الشيخ الأكبر
ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كن أبا ذر » « 1 » ، فإن كلمة كن للجناب الإلهي ، وقد نقل عن القوم في ذلك جمل كثيرة ، وأنت تراهم حين رجوعهم لأنفسهم لا أحد مثلهم في إظهار كمال العبودية لحضرة الجناب الإلهي . قال أبو يزيد : هنا أريد أن لا أريد ، حتى أن مذهبهم رضي اللّه عنهم ركون المراد إلى نفسه أو إلى غيره شرك خفيّ ، وإن من قال : لا إله إلا اللّه وله ركون إلى غيره ؛ كان كاذبا في قوله ، ومن هنا شرط الإخلاص صلى اللّه عليه وسلم لقائل هذه الجملة ، وضمن له الجنة ، وإنها تخرق السماوات السبع ، وتكون سببا للمغفرة . وقد ذكر حضرة العارف رضي اللّه عنه في « الفتوحات المكية » نادرة وقعت لأبي يزيد البسطامي في ذلك : وهو إنه قد عاهد نفسه ألا يسأل أحدا سواه تعالى ، وكان له صاحب تاجر أوصاه بأنه إذا قصده فقير يرسله إليه ، فجاءه فقير فتذكّر وصية صاحبه التاجر ، فذهب به ، فشمّ منه حال سيره رائحة الكفر ، فسأله عن مذهبه ، فأخبره بأنه مجوسي ، فتفكّر رضي اللّه عنه عند ذلك في وجه المناسبة بالصحبة الخاصة ، فلم يجد شيئا إلا قصده التاجر لأجل هذا المجوسي ، وقصد غير اللّه إشراك فثبت المناسبة . فإذا كان حال رجال اللّه هذا وأمثاله ؛ فكيف ينسب إلى جنابهم الحلول والاتّحاد والزندقة ، وإباحة المحرّمات ، وإنكار وجود الحق مع أن السير عندهم مشروط بكمال
--> - وقال فيها أيضا : كل ما أشرت إليه فهو بالحقيقة إشارة عليه ، وإن كنت لا تعرفه أنت لغفلتك عن حقيقة الحقائق انتهى . فانظر - رحمك اللّه - إلى هذه الإشارات بعين التحقيق ، وتأمل هذه العبارات بالفكر الدقيق ، وهل يصح حملها إلا على ما حققناه ؟ وإلا فهي عبارات خيالية ، وإشارات واهية ، وحاشا مرتبته العالية ، وشميه المتعالية من أن ينسب إليه الهذيان أو الخروج عن الإيمان ، واللّه المستعان وعليه التكلان . انظر : عين الحياة ( ص 209 ) . ( 1 ) رواه الحاكم في « المستدرك » ( 3 / 52 ) ، وذكره المناوي في « فيض القدير » ( 4 / 368 ) .